لا تكن سلبيا فيتحول ما حولك لذلك

لا تكن سلبيا فيتحول ما حولك لذلك

 

بقلم / حمد بن عبدالرحمن النقيثان (22/4/1428 هـ) 

hmd1380@hotmail.com 

 

 

نتصرف جميعا بكثير من الأحيان بسلبية تنم عن معاناة كبيرة نتوجس منها, فتتحول إلى طاقات سالبة تنطلق منا لتقلب حياتنا و من حولنا إلى جحيم بدون أن ندري...

قد يستغرب البعض هذا القول فكيف تخرج منا طاقات سلبية و إيجابية ؟ و هل نحمل شحنات كهربائية ؟!!

الحقيقة .. نعم يوجد بنا طاقات شبيهة بالطاقة الكهربائية تخرج منا فتصيب البعض بأضرار بالغة حسب نوعهـا و منهـا طاقات الحسد ( العين ) الذي يعاني منها الكثير منّا ... فالعائن تخرج منه طاقات خطيرة تصيب الشخص المعني بأمراض و أضرار صحية خطيرة ولعل من أبرزهـا السرطان الذي يحصد الآلاف بدون أن يقدر أحد على منعه أو عـلاجه منذ فترة طويلة و يكاد لا ينجـو منه أحـد إلا بأعجوبة .

وقد دلنا ديننا الحنيف لعدة طرق للوقاية من تلك الطاقات التي تنطلق بدون أن نراها فتصيبنا بأضرار يصعب اكتشاف سببها الحقيقي , و من تلك الطرق  قراءة الأوراد التي دلنا عليها نبي الرحمة محمد بن عبدالله صلى الله عليه و سلم فهي تشكل حاجـزا منيعا يحول دون الإصابة بسهام تلك الطاقة مما يعطينا حماية مؤقتة منهـا ... و ينسينا الشيطان عادة قراءتهـا فنقع فريسة تلك الطاقات المنطلقة من عدة أماكن و من عدة أشخاص لا تُرى بالعين المجردة و تصيبنا بمشاكل صحية منوعة حسب قوة الطاقة و نوعهـا و مصدرهـا ...

وموضوع طاقة العين ( الحسد ) موضوع كبير و متشعب و تطرق له الكثير ... إنما أود أن أتكلم أنا عن زاوية أخرى من هذه الطاقات التي نجهل وجودها بشكل كبير .. وهي طاقـة ( إرسـال الطاقـات السلبية ) من تصرفـات و كلمات نتفوه بهـا لا نتوقع أثرها علينا و لا على من حولنا و نتعجب لماذا نصاب بأشياء غريبة تحـدث لنـا و يؤولهـا  البعض للصدفة أو للحظ السيئ ... جاهـلا مسبباتها الرئيسية و مستبعدا أن تكون صادرة منه هو شخصيا ... !

و لكي أعطيكم مثالا وهو ما دعاني لكتابة هذه المقالة , سوف أسرد لكم قصة حصلت معي تعجبت من وقوعهـا و دلتني لهذا التصور الذي قد تجدونه غريبا أو خياليا ...

كنت أعاني من بعض الاضطهاد بالعمـل و أشعر أنني مستهدف من بعض الرؤسـاء و مظلوم في تعاملهم معي وذلك بتهميشي و إثارتي ببعض التعاملات و السلبيات و التجاهـل بسبب مطالبتي بحقوقي حسب مرتبتي الوظيفية , وقد تحملت ذلك طويلا بدون أي تقدم أو تغيير لتلك المعاملة .. فأشعر بالحزن على وضعي و القهر من اضطهادي و الأسى على حالي فأحنق على من تسبب لي بذلك و أدعوا الله عليه في صلاتي ليقيني أن الله هو القادر الذي لا يحتاج لواسطة لمقابلته ولا يحتاج لدليل على قولي فهـو عـلام الغيوب و مطلع على كل خافيـة و ظاهرة , و انتقامه لا يعادله انتقام و بطشه لا يعادله بطش ... فكنت أدعوه على كل من ظلمني كافة بدون تحديد اسم معين .

 و في يوم من الأيام وبعد صلاة العشاء صليت الوتر و دعوت الله تعالي أن يريني بكل من ظلمني عجائب قدرته متناسيا أمره بالصفح و الغفران و احتساب الأجـر , ليس جهـلا مني بذلك و لكن مرارة الظلم ألجمت عقلي من استيعاب ذلك الأمر .. و قـد دعوت الله أن يعجـل بذلك فقد تعبت من الانتظار ولا طاقة بي للمزيد من الصبر .. و رجوت ربي أن يكون ذلك في الغـد لأرتاح و تنطفئ نار الشعـور بالظلم و كذلك ليسلم غيري من بطشهم ...

وماذا كانت النتيجة ؟!! ...

ذهبت بعدها لأنجز بعض المهام و أذكر أنها كانت ( إصلاح إطار السيارة و تغيير لمبة الفرامل المحترقة بسيارتي و البحث عن رسالة كنت أتوقع وصولها بصندوق البريد الخاص بي و غسـل سيارتي و شـراء عشـاء معين ) ... ولم تتحقق لي واحدة منها !!!

حيث وجدت جميع الكهربائيين مشغولون حتى أنه لم ينظر واحـدا منهم لمكان اللمبة بسيارتي و لم أجد الرسالة و لم يتم إصلاح الكفر لفشل الفني بإيجاد مكان الثقب به .. وكانت المغسلة مزدحمة و نوع العشاء الذي كنت أرغبه وجدته منتهي من البوفيه المعتاد على شراءه منها !!!

فتعجبت من ذلك ..و بطبعي لا أعترف بسـؤ الحظ و لا بالنحس فهي من أسلحة الضعفاء و الجهلة (في نظري) .

فأخذت أسترجع و أتفكر فيما فعلته متذكرا قول أحد السلف : " والله إني لأرى أثر معصيتي في خلق زوجتي ودابتي ". الدابة لا تمشي كما أريد . وامرأتي لا تطيعني " ... لمـاذا ؟؟؟ إنهـا آثار المعصية  .

فكل شيء يحدث بسبب وليس هناك مجال للمصادفة خاصة إذا تكررت ... فتذكرت دعوتي و إطـلاقي طاقات سلبية بطلبي إيقاع الضرر على مسلمين و إغـلاق باب الصفح و حب الخير للجميع و نبهني لذلك شريط لأحد العلماء كنت أستمع له في سيارتي في ذلك الوقت و كان يتكلم فيه عن أثر الصفح و تعامل الرسل و التابعين معه في بعض المواقف التي هي أصعب من موقفي و أعظم .. ومنها صفح نبينا عليه الصلاة و السلام عن كفار قريش الذين آذوه و حاربوه و قتلو كثيرا من أصحابه و أحبابه و على رأسهم عمـه العباس رضي الله عنه ... و عودة جاره اليهودي عند مرضه والذي كان يؤذيه بوضع مخلفاته أمام بيته و غيرها من المواقف التي يحتار العقل من فعلها و عظمة من يقومون بها .

فتذكرت دعواتي على من ظلمني ( رغم أني لم أخصص شخص بعينه ) ولكنها كانت تطلق مني طاقات سلبية أصابتني قبل أن تصيبهم و جعلت كل مشاريعي لتلك الليلة فاشلة ( إن صح التعبير ) .

شعرت يقينا أن ما حصل لي كان من سبب تلك المشاعر السلبية التي جعلتني أضربهم بأقوى قوة على البسيطة و أستعين بمن لا يعجزه شيء في السماوات و الأرض و أمره بين الكاف و النون ولا يرد أمره إذا جاء و ليس بينه و بين المظلوم حجاب ولا واسطة ولا سلطان , فكيف سينجون إن لم أصفح عنهم من قدره سبحانه .

و من حكمته سبحانه و تعالى أنه لا يستجيب غالبا بشكل فوري .. إنما يمهل .. لعل الداعي يستغفر و يصفح أو يصلح المدعو عليه من شأنه و يعتذر ممن تسبب في ظلمه و ضرره .. ولكنه سبحانه .. لا يُهمـل تلك الدعوة فهو العادل و هو المنتقم و هو العزيز مثلما هو الرحمن الرحيم ... من رحمته أنه يؤجل عقابه ... لعل الطرفان يصطلحان فـلا يقع ضرر على أحدهما بسبب جهلهما ( الظالم جهله بخطورة الظلم و انتقام المظلوم بفعل أو دعوة و المظلوم باستعجاله الانتقام و حرمانه من فضل الصفح و المسامحة و ما لها من آثار نفسية و اجتماعية و دينية كبيرة ) ... فسبحان الحليم العليم الخبير على هـذا الفضل بتأجيل إجابة الدعوة رغم إصرارنا عليها و تكرارها و الإلحاح لهــا ...

و أتذكر قول رسولنا عليه الصلاة و السلام : " تبسمك بوجه أخيك صدقة " ...  والتبسم من الأشياء الإيجابية التي تبعث على المودة و الرضى و المحبة .

قال لي صديق تعرفت عليه بمكة المكرمة : " أحببت ابن عمك لأنه كان بشوشا كل الوقت , فلا أذكره إلا مبتسما "

أنظروا لأثر الابتسامة على القلوب و النفوس ... فهي من الإيجابيات التي دعا لها ديننا الحنيف .

كذلك .. الرضاء بقضاء الله و قدره و منها وقوع بعض الأزمات و منها ظلم و بطش و أمراض مستعصية يمحو بها الله من خطايانا و يغفر لنا ذنوبنا بصبرنا عليها وهي لا تقارن بعذاب الآخرة ولو خيرنا بينهما لاخترنا عذاب الدنيا و تحملنا كل ما كنا نتطير منه في سبيل النجاة من عذاب الآخرة ...

و لو تلاحظون أننا نطلب من الله أن يغفر خطايانا و ذنوبنا ولا نطبق ذلك على أنفسنا حيث أننا لا نغفر ولا نصفح لمن أساء لنا !! .. ولا نصبر على ألم الظلم من الغير ولا الامتحان من الله .

قال تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } (155) سورة البقرة

الأطفال يحبهم الجميع لأنهم لا يكرهون أحـد ... فيطلقون طاقات إيجابية بشكل مستمر حتى أنك لتشعر بسعادة و رغبة لمداعبتهم و تقبيلهم بمجرد رؤيتهم حتى لو لم يكونوا أولادك.

ألا ترون أن الأطفال ينسون الإساءة بسرعة ؟ فإذا ضربت طفل لأي سبب و بكى من الألم .. فإنه غالبا بعد فترة قصيرة يعود لك بشوشا و قد نسى كل الألم الذي تلقاه منك بل و قد يقبلك و يحتضنك , و هذا دليل كبير على صفحهم السريع لمن أسـاء لهم و عدم وجود مرض الانتقام و الحقد في قلوبهم فهم قد ولدوا على الفطرة التي تكسبهم محبة و عناية الكبار من أجل حمايتهم من الهـلاك لأنهم غير مهيئين لرعاية أنفسهم فأزال الله من قلوبهم تلك الضغينة المؤذية و المنفرة و نمى لديهم ملكة الصفح و نسيان الإسـاءة و الحب و التودد للآخرين , فينشرون الحب و السعادة و المرح بالمكان الذي يتواجدون فيه رغم شقاوتهم و كثرة أذيتهم لأنفسهم و للآخرين ولكنها لا تسبب لهم النفور و البغض عند الآخرين بل أننا نشتاق كثيرا لهم بمجرد الإبتعاد عنهم لفترة وجيزة .

و الحقيقة أننا نشتاق لجرعة جديدة من الحب و التسامح و الصفح و الأمان الذي ينشرونه بالجو من حولهم .

قال تعالى : { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا } سورة الكهف

ويل روجرز" نجم السينما الفكاهي الأمريكي المعروف " ... استطاع أن يؤثر في ملايين المشاهدين عبر الشاشة ... ويؤثر في الآلاف والآلاف من البشر الذين تعامل معهم طوال حياته لدرجة أن الرئيس الأمريكي يحرص أن لا تكون كلمته في نفس عرض برنامجه خشية أن يفقد الكثير من مشاهديه من محبي روجرز الذين يقدرون بالملايين , و حين سئل ويل روجرز عن سر حب الناس له بهذا الشكل قال : بكل بساطه لأنني أحبهم جميعا .

وقال أيضا : أنني لم ألتق إنسان إلا وأحببته .. ويبحث عن شيء إيجابي بالشخص لكي يحبه .

فهل يمكننا أن نتبع طريقة روجرز للتأثير في الآخرين عن طريق اكتشاف وإبراز صفاتهم الطيبة ... ودعوتهم للتمسك بها  ؟

    لذلك فلننشر الطاقات الإيجابية بالمكان الذي نتواجد فيه و ذلك بتصفية قلوبنا و الصفح عن كل من أساء لنا و مسامحته و سيكون لنا من هذا الأمر مكافأتين الأولى في الدنيا حياة سعيدة ومحبة من الآخرين صادقة لنا و الثانية رحمة من الله و فوز بجنات عرضها السموات و الأرض .

عن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: " تفتح أبواب الجنة كل يوم اثنين وخميسٍ، فيغفر في ذلك اليومين لكلِّ عبدٍ لا يشرك باللّه شيئاً إلا من بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أَنْظِروا هذين حتى يصطلحا "

وقد حجب المتخاصمون و الحاقدون الذين ينشرون طاقات سالبة بينهم مغفرة الله عنهم و رضاه و قبوله لهم فماذا جنوا من تلك الخصومة ( الزعـل ) و البغضاء ؟ ... فتخيل لو أن أحدهما مات على تلك الحال ... ماذا يكون مصيره و هل سيرتاح في قبره و يجده روضة من رياض الجنة ؟ و من أجل ماذا يحرم نفسه رحمة ومغفرة الله ؟ من أجل نزغات الشياطين التي تحاول أن تبعده عن الجنة بأي وسيلة .

لذلك أنصح بالتسامح و نشر الطاقات الإيجابية و ذلك بحب الآخرين و مسامحتهم و التماس الأعذار لهم و رحمتهم و مساعدتهم بقدر الإمكان و التبسم بوجوههم و الوقوف بجانبهم أوقات الأزمات و المشاركة بحل مشاكلهم و ستر عيوبهم و إبراز صفاتهم و شكرهم على أي فعل حسن و فعل كل ما قد يسبب لهم السعادة بغير معصية الله طبعا و تجنب كل ما من شأنه إغضابهم أو ضررهم مهما كان صغيرا .

قال تعالى : { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (134) سورة آل عمران

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " تفاءلوا بالخير تجدوه " و التفاؤل بالخير يبعث طاقات إيجابية تسعد صاحبها و تجلب له الخير .. فهل جربت يوما أن تتفاءل بنجاحك بمشروع و حدث ذلك ؟

 

أحببت في هذا المقال أن أوضح أمرا رأيته و شعرت به لعـل الله يجعل لي بهذا التبليغ أجر نشـر العلم و يعينني و إياكم على طاعته و مرضاته و النجاة من عذابه و الفوز بجنته .

 

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

****

?أخوكم / حمــد النقيثان

hmd1380@hotmail.com

 

{

 

 

الصفحة الرئيسية         صفحة مقالاتي