بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم / حمـد بن عبدالرحمن النقيثان
يعاني أكثرنا من قلة دخله و يطمع بالمزيد و ينظر لمن رزقه الله دخلا أكثر منه بألم و حسرة و يتساءل كثيرا ..
لماذا فضله الله علي ؟ !!!
و لماذا لا أكون مثله أو أغنى .. فيحاول زيادة دخله إما بالسعي وراء الأعمال الحرة أو البحث عن فرص وظيفية مثل انتداب أو خارج دوام أو غيرهـا مما يجلب له المزيد من الدخل ... و مع ذلك يجد أن صاحبه أكثر منه و يملك أشياء لا يملكها هو مثل بيت ملك أو سيارة آخر موديل أو أثاث فاخر ... الخ .
فيحزن حزنا شديدا و يتطلع للغنى و يتمنى أن يمتلك ملايين الريالات, ويعيش حياة نكد كلما رأى شخص يمتلك سيارة أفخم أو أجدد من سيارته أو منزلا أجمل أو أكبر من منزله .
فيقول بينه و بين نفسه .. لماذا يا ألله لا أكون مثله أو أغنى ... لماذا ؟
جميل أن يكون عند الشخص طموح و جميل أن يسعى بالأرض و يحاول تحسين دخله .. ولكن لا يسخط إذا لم يستطع و لينظر لما عنده و ليس عند ذلك الغني ... نعم نحن نمتلك أشياء يتمناها الأغنياء ولا يحصلون عليها بنقودهم و لا تجلبها لهم ملايينهم ... مثل الصحـة و راحـة البال و الشعور بالأمن و صلاح البنين و الفوز بأصدقاء مخلصين و زوجات صالحات مخلصات و أشياء كثيرة حبانا الله بهـا لا توجد عند غيرنا .
لو قارنت نفسك بمن رزقه الله أموالا و مركزا مرموقا لشعرت بأن الفرق الذي عنده يوجد عندك ما يوازيه رغم إجتهاده الذي لم تعمله و صبره حتى وصل لما وصل له ... ولكن الرزاق يوزع الرزق على عباده بالعدل , و يرزق من يشاء بدون حساب .
هناك أناس يحرمهم بالدنيا من رزقٍ كثير و يؤجلها لهم للآخـرة ليكون حظهم مثل كثير ممن يمتن عليهم بالجنة و بالمنزلة التي ترضيهم بها .
وبعضنا لو رزقه الله رزقا كثيرا لفَجَـر و عمل أعمالا تودي به للهـلاك و سخط الرب عليه ..
و إستجابة لدعائه بأن يرزقه الله رضاه و الجنة فإنه يمنع عنه الغنى ليتحقق دعائه و يرضى الله عنه عندما لا يكون بيده أن يبطش و يظلم و يفسق لضيق ذات اليد عنده ... أي أن بعض الناس لا يصلح غنيا ... ولو حصل له ذلك لأهلك نفسه أو بصورة أصح لأهلكه غناه ... لأن هذه الدنيا إنما هي حياة امتحان وهي قصيرة جـدا و الإنسان بها غير مؤهـل للسعادة كل الوقت حيث أن سعادته لهـا ثمن , وقد لا يطيق ذلك الثمن .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، و لضحكتم قليـلا " .
ولكن حياة الآخرة سعادة أبدية وفوز عظيم لا يمل منها ابن آدم ولا يحزن ... بعكس هذه الدنيا ,, لو أن الإنسان حصل منها كل ما يريد لمل منها و لتمنى الموت ( و أكبر دليل أولئك الأغنياء المنتحرون ) .
فالإنسان بهذه الدنيا ملول و طماع كلما حصل على شيء طمع بالآخـر .
لذلك أنصحك كلما شعرت بالحزن بسبب ضعف الدخل و زيادته عند الآخرين .. تذكر أن ذلك امتحان لك من الله هل تصبر و تشكر أم تسخط و تكفر, و حاول أن تتحسس الأشياء التي تملكها ولا يملكها الآخرون ... فمثلا لو أن جارك مليونير و لكن عنده فشل كلوي و يضطر للجلوس على جهاز غسيل الكلى لمدة 8 ساعات ثلاث مرات أسبوعيا ... فكم تسوى كلاك التي أراحتك من تلك المعاناة ؟
وهل تتمنى أن تكون مكانه و هو مكانك بتلك الصورة ؟
و غيرها من النعم التي لا تقدر بثمن نمتلكهـا و لا نحس بقيمتهـا إلا بعد فقدهـا, منها النظـر و السمـع و جميع الأعضـاء التي تساعدنا على التمتع بالحياة و تريحنا و تغنينا عن الحاجة لمساعدة الآخرين و عطفهم .
تخيل لو أنك أصبحت غنيا فجـأة ... ماذا عساك تفعـل ؟
أشتري فيلا فخمـه بها مسبح و جنينه و مدخل سيارة كبير و..و.. الخ
ثم مـاذا ؟
أفتح شركه كبيرة و أتاجـر و أتخلص من الدوام المرهق و أستيقظ متى أشـاء .
ثم مـاذا ؟
أشتري سيارة فخمـة و أتزوج و أسافـر و .. و .. و... ثم مــاذا ؟
بالنهايــة ... ملـل و كـره للحياة ... وقد يؤدي ذلك للانتحار .. أو الإصابة بالإكتئاب ... لمـاذا ؟
لأنه لم يبقى لك أمـل تتطلع للفوز فيه و تحقيقـه .
ما أجمل أن يكون لنا أحـلام ... و ما أجمل الشعور بفرحـة تحقيق أحلامنا .... ولكن حين تتحقق كلهـا ولا نجد أحلاما جديدة نتطلع لتحقيقهـا ..... آه ... ملل و شعور بالإحباط و شعور بالطفش و العجـز و الضيق .
كنت مسافرا للهند منذ سنين عديدة مضت ... وصادفت رجل يمشي بشارع من أفقر شوارع بومبي, شعره أشقر و طويل يتبين من ملامحـه أنه أوروبي أو أمريكي أو ألماني ....
عليه ملابس قديمة و بالية و يبين عليه الفقر الشديد !!!
تعجبت من شكله أشد العجب ... فقلت حتى الأجانب بالهند فقــراء !!!
فقال لي شخص معنا (خليجي) تعرفنا عليه هناك ... ذلك الرجل أغنى مني و منك و منا جميعا ..
فقلت : كيف وملابسه بالية أم تُراها موضة جديدة ؟
فضحك صاحبي وقال : لا .. أبد ليست موضـة ... ذلك الرجل و أمثاله نشاهدهم هنا كثير ... يكون غنيا غناء فاحشا .. فيمل من الترف و يمل من الملابس الغالية و الفرش الرقيقة الناعمـة و يمل من النساء و كل ملذات الحياة لأنهـا تكون سهلة المنال له .
فيصاب بإحباط و يذهب لطبيب نفسي فينصحـه الطبيب بأخذ إجازة من الغنى ... فقلت : أجازة من الغنى !!! ؟
فقال صاحبي : نعم .. أجازة من الغنى ... فيأتي لأكثر الدول فقرا ... ثم يشترى ثيابا بالية من أفقر الأحياء بهـا بشرط أنها فقط على مقاسه ولو قصرت قليلا ... ثم يغسلهـا و يعقمهــا ... ثم يذهب لأغلى فندق و يحجز جناح فيه لمدة شهر ... ويبدل ثيابه ثم يذهب لمدير الفندق و يطلب منه أن يحتفظ بكل مقتنياته الشخصية بخزينة الفندق ولا يخرجهـا إلا بعد شهر .. ويرفض استقباله قبل نهاية الشهر مهما فعل ... وإلا فلن يحضر له مرة أخرى .
فيوافق مدير الفندق على طلبه ... ويخرج ذلك المليونير ليس بجيبه غير مبلغ بسيط جدا بالكاد يكفيه شهر إذا اقتصد كثيرا بأكله, بحيث لا يأكل غير وجبة واحدة يوميا ومن النوع الرخيص ... ويعيش مع الفقراء و ينام على الأرصفة معهم و يتعب في البداية و يعاني كثيرا إلى أن يتعود جسمه على ذلك ... ثم يستمر بالحرمان لمدة شهر .
وبعد نهاية الشهر يعود للفندق فيستقبلونه و يعطونه مفتاح جناحـه ,,, فيصعد و يستحم و يغير ملابسه بملابس فاخـرة و يتناول وجبة دسمة ويعود لوطنه بطائرته الخاصة وقد اشـتاقت نفسه للرفاهية و الترف .
وهكـذا يفعـلون ليتخلصوا من ملـل الغنى و الترف و يعانون الأمرين من أجل أن يستعيدوا الشعور بالفرح و السعادة للترف .... هذا بالنسبة للأصحاء ... أما المرضى ,, فمصيبتهم أكبر ... تجتمع عليهم مصيبتين ... مرض و ملل من الغنى .. كان الله في عونهـم ( شعور لا يطاق ) يخفونه كي لا يتشمت بهم الشامتون .
يتعذبون بالخفاء و يعانون من أشياء لا نحسهـا لأننا لم نمر بتلك التجربة .
يقال أن أحد المصريين الشباب كان يمشي مع صديق له و اشتروا سندوتش فول ( أرخص سندوتش ) و يأكلانهـا بنهم .. من شدة الجوع ... فقال لصاحبه وهو ينظر لعمارة ... آه .. ليت لي عمارتان مثل هذه و مليون جنيه ..
فقال له صاحبه : هل ترضى أن يكون لك مليون جنيه و تصاب بمرض خطير ؟
فقال : نعـم أرضى .. أعالج نفسي بخمسمائة ألف و أحيا سعيدا بالخمسمائة الباقيـة .
فأراد الله أن يبين له قصر نظره ... فصار فنانا مشهورا و اغتنى خـلال خمسة سنوات و صار يمتلك أكثر من مليوني جنيه و خمسة عمارات كبيرة ... ولكنه أصيب بمرض بمعدته لا علاج له ... لا يستطيع تناول الطعام إلا غرامات محددة بالكاد تكفيه للحياة .... ولو زاد عليها لهلك .
فلقيه صديقه في نفس المكان وقال له : تذكر يا فـلان تلك السنة عندما كنا نتمشى هنا وقلت لي أنك كنت تتمنى تكون غني ولو فقدت صحتك ؟
فرد عليه وهو يبتسم ابتسامة صفراء يخفي ورائهـا ألم و حسرة كبيرة ... نعم أتذكر ... فدمعت عيناه
وقال : لقد حقق لي ربي مرادي و حرمني من صحتي و أنا الآن مستعد لدفع جميع ملاييني فقط من أجل أن أستطيع أن آكل سندوتش فـول مثل التي كنا نتناولهـا ذلك الوقت,.. الآن أحسست بقيمة تلك النعمـة التي رفضتهــا بالسابق .
و مـات من أثر ذلك المرض و ترك خلفه ثروة لم يتمتع بهــا .
كلها أمثلة على أن المال ليس كل شيء بهذه الحياة و السعادة ليست بالمال و امتلاك الأشياء الثمينة ... فالملل بانتظارك و الحسرة و الندم مئالك ...
إعلم أخي/أختي أن السعادة في طاعة الله و الفوز برضاه و التمتع بمناجاته و الشوق للقاؤه .
قال بعض السلف: ( لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف ( .
فـلا تنظر لما عند غيرك فتتعذب ولكن أنظر لما عندك وليس عندهم فتسعد و اشكر ربك بالتقرب إليه بالسنن و النوافل و الصدقات و إتباع كل أوامره و اجتناب كل نواهيه ,,, ساعتهـا ستشعر بسعادة لا توصف .
وكما قيل : " القناعـة كنـز لا يفنـى " .
قال تعالـى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } (16) سورة هود
&
? حمـد النقيثان ( 9/9/1427هـ )